مقالات

وكانت السماء تبكي معي!رحيل موسوعة اليمن الوثائقية!

شمسان بوست / كتب خالد الرويشان

القاضي علي أحمد أبو الرجال .. وداعاً
هذا يومٌ كبيرٌ وعميق للحزن والفقد
ربما لاتعرفون يا شباب اليمن أهمية مَنْ فقدنا اليوم وعظمة دوره التنويري النادر
لو عرفتم القاضي علي ياشباب البلاد لبكيتم عليه كثيراً!
لكنّ البلاد الثكلى وقد ابيضّت عيناها من الحزن وتجمد قلبُها منذ سنوات لم تعد اليوم ترى أو تعي أو تُحس!

هذه نُتفةٌ من ريش هذا الطائر النادر المغادر أقدمها لكم كنتُ نقشتها في يوم تكريمه!

هو خُلاصةٌ من خُلاصات اليمن النادرة , وشُرفةٌ من شُرُفات صنعاء المضيئة السامقة. تلقاهُ فتلقى اليمن كُلَّهْ.. صَبْرَ جباله , بساطة وديانه , عزائمَ إنسانه.. مدنيّة صَنعائِه. تلك معالمُ الشخصية الباهرة الساحرة.. علي أحمد أبو الرجال.
تمنيتُ لو أن فتيان اليمن وشبابه تأملّوا هذه الشخصية وعرفوا معالمها , ربما لَانفتحَتْ كُوّةُ ضوءٍ في سماءِ أرواحهم المثقلة بغبار اللحظة ويأسها , وجهامة الوجوه وبؤسها.. وحتى يستعيدوا الآمال , ويسعدوا بالرجل المِثال.. علي أحمد أبو الرجال.

هذا الرجل ابنٌ بارٌّ لمدرسةٍ وطنية مغمورة تَعتبِرُ الإنجاز الإداري والتنموي المهمّة المقدّسة في الحياة , والهدف النهائي للعمل العام. وهي مغمورةٌ لا أحدَ يتعصّبُ لها لأنها تعتبر الوطن حزبها , والنزاهة مذهبها , والإتقان ديدنها , والإخلاص عقيدتها.

مثل جواهرَ مطمورةٍ كثيرة في حياتنا دلف القاضي علي أبو الرجال عامَهُ الرابع والثمانين هذا العام وسط صخب السياسيين وغبار معاركهم , بينما تلوح ابتسامته الشابّة ضوءاً يملأ قلوبنا بالحب , وعيوننا بالأمل , وما تزال تلك الابتسامة الساخرة تحكي الكثير,.. فالرجل خُلاصة تاريخ , وتجربةُ إدارةٍ ممتدة من أيام الإمام يحي وحتى اليوم.. ولذلك يبتسم ساخراً من كل ترّهات لحظتنا لأنه يَعرِف أنّ ما سيمكثُ في النهاية هو ما ينفع الناس فحسب , ودون ذلك عابرٌ ومؤقّت وزائل.

قلتُ أن للرجل صبر واحتمال جبال اليمن وذلك بفعل إنجازاته خلال ستين عاماً من العمل العام بلا كلل أو ملل رغم تقلب العهود والعقود.. وفي بلادٍ مثل اليمن فإن ذلك يُشكِّل معجزةً رائعةً تستحقُّ الثناء فعلاً , ويكفي أن تعرف أنه شارك وأشرف على إنجاز طُرق صنعاء الحديدة , والحديدة تعز , وصنعاء صعدة وعمران , ومطار صنعاء.. الخ وكل ذلك قبل أن ينجز إنجازه الأهم والأكبر في عالم الوثائق خلال العشرين سنة الأخيرة.

أما بساطة الرجل فهي انعكاسٌ لعمق شخصيته وفلسفة حياته القائمة على العمل والإنجاز والإخلاص للوطن وليس للأشخاص وللإنسان وليس للسلطان.. ولذلك تتغير العهود وما تزال ابتسامته عطر المكان.. وتتوالى العقود وما يزال صوته ضوء الزمان , فهو عارفٌ بالرجال وأقدارها , خبيرٌ بالأزمان وتقلباتها وفق ميزانه العادل والصامت والواثق.

في مهرجان تكريمه بالأمس آثر أن يرتجل كلمةً مثل عروق الذهب! ببساطته الرائعة أكّد أنه لا يستحق كل ما قيل في الاحتفال لأنه لم يُقدّم ما يستوجب ذلك! هذه هي العَظَمَة المتوارية , والروح الكبيرة التي أشعلت أكفّنا إعجاباً , وأضاءت قلوبنا إيماناً بالوطن وأبنائه الذين تتكلم إنجازاتهم ويصمتون , وتتحدث نجاحاتهم ويتوارون.

من معالم شخصية أبي الرجال.. بأسُ عزيمته الدائبة وفولاذُ إرادته الدائمة , فهو بهذه العزيمة جَمَعَ ما يقرُب من سبعة ملايين وثيقة حكومية يرجع أهمّها إلى مئات السنين.. جَمَعَها وهو الهاوي لجمع الوثائق من يفاعته قبل ستين عاماً.. أندر الوثائق وأعجبها وأغربها حفظها الرجل وفق أحدث أساليب الحفظ والتوثيق والترميم والصيانة.. ولن تجد لدقّته العلمية نظيراً في جامعةٍ يمنية , أو مركزٍ أو مؤسسة.. وحده أبو الرجال وضع لليمن مكانةً ومكاناً في عالم الوثائق وهي ذاكرة الدولة , في وقتٍ يتلاشى فيه كل شيء في البلاد , وجعجعة السياسيين تملأ الآذان , وتطمرُ الحقائق والأذهان!

أمّا مدنيّة الرجل فهي من مدنيّة مدينته صنعاء , وحلاوة روحها , والقاضي علي مشهورٌ بظرافته البديعة وسخريته اللاذعة , وحبّه للغناء والفن والشعر والثقافة , كما أن شخصيته مطبوعةٌ بالعطف والحنان والوفاء , واكتشاف المواهب ورعايتها , وأعرفُ العشرات ممن أصبحوا وكلاء وزارات ومدراء عموم وحتى وزراء ترعرعوا على يديه , وشبّوا على حنانه , وتطبّعوا بطباعه وحزمه وإتقانه. فهو مدرسة تربوية إدارية نادرة جديرة بالتأمل والإعجاب.

بقي أن أختم بملاحظة شديدة الأهمية وهي أن الرجل أنجز الكثير في إطار ما أتيح له.. وما أُتيح له كان قليلاً وشحيحاً جدا مقارنةً بإنجازاته الكبيرة والعظيمة.. ولو أن الإدارات الحكومية خلال الثلاثين سنة الماضية اقتدت واهتدت إلى مدرسة أبي الرجال لَكُنّا وكان الوطن في أحسن حال!

كنتُ قد تمنّيت ذات يوم على أعضاء مؤتمر الحوار الحائر زيارة المحويت وهي قريبة لِيُعبِّئوا بطاريات أرواحهم الخاوية بالنقاء والصفاء والأرجح أنهم لم يفعلوا !.. وها أنذا أتمنى عليهم-مرةً أخرى- زيارة المركز الوطني للوثائق ليتأكدوا أنّه لا خَلَاص إلّا بالإخلاص , ولا قِمّة إلا باحترام القامات العظيمة التي قدّمت كل شيء ولم تأخذ شيئاً .. من هذه القامات قامةُ النور وقِمّةُ الضوء جوهرةُ البلاد المغمورة المطمورة.. علي أحمد أبو الرجال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار