بين الغلاء والفراغ السياسي.. لماذا يتجه الجنوب نحو مزيد من التوتر؟

شمسان بوست / خاص:
تشهد المحافظات الجنوبية خلال الفترة الأخيرة حالة من التوتر المتصاعد، تعكس بوضوح أن الخلافات داخل الأوساط السياسية لم تعد محصورة في نطاقها التقليدي، بل امتد تأثيرها إلى الشارع، الذي بات أكثر حساسية لأي تطورات في ظل واقع معيشي بالغ الصعوبة.
ورغم استمرار الدعوات إلى الحوار كمسار لاحتواء التباينات السياسية، إلا أن المؤشرات على الأرض تؤكد أن العامل الاقتصادي أصبح المحرك الأبرز لحالة الغضب الشعبي. فالتدهور المستمر في الأوضاع المعيشية، وتراجع القدرة الشرائية، جعلا شريحة واسعة من المواطنين تشعر بأن الضغوط اليومية تفوق قدرتها على الاحتمال.
وتبرز أزمة الرواتب كأحد أكثر الملفات إلحاحًا، إذ لم تعد المداخيل الحالية تواكب الارتفاع المتسارع في أسعار السلع والخدمات، ما وضع آلاف الأسر أمام تحديات معيشية غير مسبوقة. هذا الواقع ولّد شعورًا متناميًا بعدم الإنصاف، خاصة لدى موظفين أفنوا سنوات طويلة في الخدمة دون أن يلمسوا حدًا أدنى من الاستقرار المعيشي.
وفي هذا السياق، تبدو المعالجات الاقتصادية العاجلة خيارًا لا يحتمل التأجيل، نظرًا لما تحمله من أبعاد سياسية وأمنية مباشرة. فتحسين الرواتب أو اتخاذ خطوات جادة لكبح التضخم يمكن أن يسهم في تهدئة الشارع، ويمنح المواطنين هامشًا من الأمل في إمكانية تحسن الأوضاع، خصوصًا في ظل أي مؤشرات إيجابية محدودة قد تظهر بين الحين والآخر.
بالتوازي مع ذلك، يظل الفراغ السياسي عاملًا مقلقًا، إذ إن غياب الأطر الجامعة يفتح المجال أمام الشائعات والتأويلات، ويزيد من احتمالات الانقسام. وتبرز هنا أهمية وجود كيان سياسي منظم وفاعل، قادر على استيعاب التباينات وإدارة الخلافات ضمن مسار واضح يحول دون انزلاقها إلى صراعات مفتوحة، لا سيما إذا حظي هذا الإطار بدعم إقليمي يعزز من حضوره وتأثيره.
كما تمثل معالجة ملف التوظيف إحدى الأدوات الأساسية لتخفيف حدة التوتر، خصوصًا فيما يتعلق بالكفاءات والخبرات التي ما تزال خارج إطار العمل الرسمي رغم قدرتها على الإسهام في إدارة المرحلة. فدمج هذه الطاقات ضمن مؤسسات الدولة من شأنه تحسين الأداء الإداري، وفي الوقت نفسه إرسال رسالة إيجابية بأن الدولة قادرة على استيعاب أبنائها والاستفادة من إمكاناتهم.
وتخلص القراءة إلى أن استقرار المحافظات الجنوبية لا يتحقق عبر مسار واحد، بل من خلال مقاربة شاملة تتكامل فيها الجوانب الاقتصادية والسياسية والإدارية. فعندما تتقدم المعالجة المعيشية جنبًا إلى جنب مع بناء إطار سياسي منظم وإدارة عادلة للموارد البشرية، يصبح المجتمع أكثر قدرة على الصمود، وتتراجع فرص الاضطراب لصالح مسار أكثر استقرارًا.



