أخبار محلية

رغم الغلاء.. رمضان في اليمن بروحٍ تتسع وموائد تتقلص

واتساب انضم إلى قناتنا على واتساب

شمسان بوست / خاص:

يحلّ شهر رمضان على اليمنيين هذا العام في ظل أوضاع معيشية صعبة، فرضتها سنوات الحرب وتداعياتها الاقتصادية، حيث تتصاعد أسعار السلع الأساسية وتتقلص فرص العمل، فيما تغيب كثير من مظاهر الزينة والإنفاق التي كانت تميز الشهر الكريم في الأعوام الماضية. غير أن المشهد العام يكشف وجهاً آخر أكثر عمقاً؛ وجهاً يؤكد أن رمضان في اليمن ما يزال يعيش في القلوب قبل الأسواق.

في الأسواق الشعبية تبدو الحركة أقل من المعتاد، والمشتريات محصورة في الضروريات. كثير من الأسر أعادت ترتيب أولوياتها، فباتت تركز على توفير الدقيق والأرز والسكر والزيت، بينما تراجعت الكماليات إلى حد كبير. وتحولت موائد الإفطار إلى نماذج بسيطة تحافظ على الهوية الغذائية اليمنية بأقل التكاليف الممكنة، مع حضور أطباق تقليدية كالسلتة والشفوت واللحوح والسنبوسة، ولكن بكميات محدودة تتناسب مع الإمكانات.

ربّات البيوت يواجهن تحدياً يومياً في إدارة ميزانيات ضيقة، وسط ارتفاع الأسعار وتقلبات العملة. ورغم ذلك، يحرصن على أن تبقى لمسة رمضان حاضرة داخل المنازل، سواء من خلال تنظيف البيوت واستقبال الشهر بأجواء روحانية، أو عبر إعداد أطباق بسيطة تلمّ شمل الأسرة حول مائدة واحدة. فالمعادلة باتت واضحة: التقشف في الإنفاق، والتمسك بالجوهر.

في الأحياء الشعبية، تبرز صور التكافل الاجتماعي كواحدة من أهم سمات الشهر. مبادرات إفطار جماعي، وتبادل أطباق بين الجيران، واتفاق بعض الأسر على مشاركة مائدة واحدة لتقاسم التكاليف؛ كلها مظاهر تؤكد أن روح الجماعة أقوى من قسوة الظروف. ويعمد كثير من الأهالي إلى دمج الأسر أو دعوة الأقارب لتخفيف الأعباء وتعزيز الألفة، في مشهد يعكس تمسك المجتمع بقيمه رغم الأزمات.

الأطفال بدورهم يحاولون صناعة بهجتهم الخاصة. زينة يدوية من الورق، وفوانيس بسيطة، وملصقات تزين الجدران، تعوض غياب الزينة التجارية التي كانت تملأ الشوارع. وفي ساعات الليل، تعود الحياة إلى الحارات بعد صلاة التراويح، حيث تمتلئ الأزقة باللعب والضحكات، وكأن الشهر يمنح الجميع فرصة مؤقتة لنسيان ثقل الواقع.

أما في المساجد، فتبدو الروحانية أكثر حضوراً من أي وقت مضى. يقصد الصائمون صلاة التراويح والتهجد بحثاً عن السكينة، فيما يزداد الإقبال على حلقات القرآن والدروس الدينية. ويؤكد كثيرون أن ضيق الحال أعادهم إلى المعنى الأصيل للصوم، القائم على الصبر والقناعة والشعور بالآخرين، بعيداً عن المبالغة في الاستهلاك.

كبار السن يستذكرون رمضان الماضي بحنين واضح، حين كانت الأسواق أكثر نشاطاً والموائد أكثر وفرة، لكنهم يقرّون بأن جوهر الشهر لم يتغير. فبرغم تقلص الإمكانيات، ما تزال قيم التراحم وصلة الأرحام وتفقد المحتاجين حاضرة بقوة، بل ربما ازدادت وضوحاً تحت وطأة الأزمة.

رمضان في اليمن هذا العام ليس موسماً للبذخ، بل مساحة للصمود. قد تخفت أضواء الشوارع، وتتقلص أصناف الموائد، لكن نور الشهر يبقى متوهجاً في القلوب، يؤكد أن البركة ليست في كثرة المشتريات، بل في اجتماع الأسرة، ودفء الجيران، وصفاء النية. هكذا يواصل اليمنيون استقبال ضيفهم الكريم، بإيمان راسخ بأن الفرج يبدأ من الداخل، وأن روح رمضان أقوى من كل الظروف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار