أخبار محلية

عزوف غير مسبوق عن الكليات الإنسانية في اليمن.. مخاوف من أزمة وعي وهوية تهدد الأجيال القادمة

واتساب انضم إلى قناتنا على واتساب

شمسان بوست | خاص

في السنوات الأخيرة، شهدت الجامعات اليمنية تحولاً لافتاً في خيارات الطلاب الأكاديمية، حيث تراجعت بشكل كبير أعداد الملتحقين بكليات العلوم الإنسانية لصالح التخصصات العلمية والتطبيقية. وأصبحت القاعات الدراسية في أقسام التاريخ والجغرافيا واللغة العربية وعلم الاجتماع والتربية أقل ازدحاماً من أي وقت مضى، بينما تتزايد المنافسة على مقاعد الطب والهندسة وتقنية المعلومات والعلوم الصحية.


هذا التحول لا يعكس مجرد تغير في الميول الدراسية، بل يكشف عن أزمة أعمق ترتبط بالواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه البلاد. فالكثير من الأسر باتت تنظر إلى التعليم من زاوية الفرص الوظيفية والعائد المادي، الأمر الذي دفع الطلاب إلى اختيار التخصصات التي يعتقدون أنها تمنحهم فرصة أكبر للحصول على عمل داخل اليمن أو خارجه.

ومع تراجع الإقبال على العلوم الإنسانية، بدأت بعض الأقسام الجامعية تواجه خطر الإغلاق أو التجميد نتيجة انخفاض أعداد الدارسين، وهو ما يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل هذه التخصصات ودورها في بناء الوعي المجتمعي والحفاظ على الهوية الوطنية والثقافية.

ويحذر مختصون من أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى فجوة معرفية كبيرة في المجتمع، إذ لا تقتصر أهمية العلوم الإنسانية على إعداد المعلمين والباحثين فقط، بل تسهم في تنمية التفكير النقدي وتعزيز القدرة على تحليل القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية بوعي ومسؤولية.

كما أن غياب الاهتمام بالتاريخ والآداب والفلسفة والعلوم الاجتماعية قد يضعف ارتباط الأجيال الجديدة بتراثها وهويتها، ويجعلها أكثر عرضة للتأثر بالأفكار المتطرفة أو المعلومات المضللة، خاصة في ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي وتدفق المحتوى الرقمي غير المنضبط.

في المقابل، لا يمكن تجاهل الأسباب التي تدفع الطلاب إلى الابتعاد عن هذه التخصصات، فضعف فرص التوظيف وتراجع أوضاع القطاع التعليمي وانخفاض الرواتب عوامل جعلت كثيراً من الشباب يبحثون عن مسارات أكاديمية توفر لهم مستقبلاً مهنياً أكثر استقراراً.

ويرى مراقبون أن الأزمة لا تتعلق بالتخصصات الإنسانية بحد ذاتها، بل بمدى قدرتها على مواكبة متطلبات العصر. فالكثير من المناهج ما زالت تعتمد أساليب تقليدية لا ترتبط بشكل مباشر باحتياجات سوق العمل أو التحولات التكنولوجية الحديثة، الأمر الذي يقلل من جاذبيتها لدى الأجيال الجديدة.

وتبرز الحاجة اليوم إلى إعادة النظر في فلسفة التعليم الجامعي بشكل عام، من خلال تحديث البرامج الأكاديمية وربط العلوم الإنسانية بالمهارات الرقمية والإعلامية والتقنية الحديثة، بما يتيح للخريجين فرصاً أوسع للعمل والإبداع والمشاركة في التنمية.

ويؤكد مختصون في الشأن التعليمي أن المجتمعات لا يمكن أن تبنى على العلوم التطبيقية وحدها، فالتنمية الحقيقية تحتاج إلى توازن بين إعداد الكفاءات التقنية وبناء الإنسان القادر على التفكير والتحليل واتخاذ القرار. فكما تحتاج الدول إلى الأطباء والمهندسين والمبرمجين، فإنها تحتاج أيضاً إلى المعلمين والباحثين والمفكرين والمؤرخين الذين يصنعون الوعي ويحافظون على هوية المجتمع وقيمه.

وفي ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم، تبدو إعادة الاعتبار للعلوم الإنسانية ضرورة وطنية لا تقل أهمية عن تطوير العلوم التطبيقية، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لبناء مجتمع متوازن يمتلك المعرفة والمهارة والوعي في آن واحد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار