غلاء الأسعار في عدن.. استقرار العملة لا ينعكس على الأسواق والمواطنون يتساءلون: أين الرقابة؟

شمسان بوست |خاص:
تعيش العاصمة عدن موجة متصاعدة من الغلاء المعيشي، في ظل استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، وسط حالة من الاستياء المتزايد بين المواطنين الذين باتوا يواجهون صعوبة متفاقمة في توفير أبسط متطلبات الحياة، نتيجة الارتفاعات المتلاحقة في الأسعار وتراجع قدرتهم الشرائية.
وتبرز المفارقة في استمرار ارتفاع أسعار العديد من السلع، رغم الاستقرار النسبي الذي يشهده سعر صرف العملة المحلية منذ أغسطس 2025، الأمر الذي يعيد إلى الواجهة تساؤلات مهمة بشأن آليات التسعير، ومدى التزام التجار والموردين بمراجعة أسعارهم، فضلاً عن دور الجهات الحكومية والرقابية في حماية المستهلك من الزيادات غير المبررة.
الصرف استقر.. فلماذا لم تستقر الأسعار؟
لسنوات طويلة، مثّل ارتفاع أسعار العملات الأجنبية المبرر الأبرز الذي يستند إليه التجار والموردون لتفسير الزيادات المتكررة في أسعار السلع، وكان المواطن يتحمل بصورة مباشرة تبعات كل تراجع في قيمة العملة المحلية، حتى أصبحت أسعار كثير من المنتجات ترتفع بصورة شبه تلقائية مع أي تحرك في سوق الصرف.
لكن المشهد اليوم يبدو مختلفاً؛ فسعر الصرف يشهد استقراراً نسبياً منذ أغسطس 2025، واستمر التداول خلال الأشهر الأخيرة ضمن نطاق متقارب، دون أن ينعكس ذلك بالشكل الملموس على أسعار السلع في الأسواق، كما كان يأمل المواطنون.
وهنا يبرز سؤال جوهري: إذا كان ارتفاع سعر الصرف يمثل المبرر الدائم لرفع الأسعار، فما الذي يبرر استمرار ارتفاعها في ظل استقرار العملة؟ ولماذا لا نشهد مراجعة حقيقية للتسعيرات بما يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية؟
إن استمرار الغلاء رغم استقرار الصرف يفرض ضرورة مراجعة آليات التسعير، والكشف عن هوامش الأرباح، والتحقق من أسباب الزيادات المتكررة، بدلاً من ترك المستهلك رهينة أسعار تتغير دون شفافية أو مبررات واضحة.
أسواق بلا رقابة فاعلة؟
تتزايد شكاوى المواطنين من تفاوت الأسعار بين المحلات التجارية، ومن الزيادات المتلاحقة التي تطال السلع الأساسية والاستهلاكية، في ظل شعور عام بضعف الرقابة التموينية وغياب الإجراءات الرادعة التي تحد من التلاعب بالأسعار.
ولم يعد مقبولاً تحميل المستهلك وحده تبعات تقلبات السوق، في الوقت الذي يفترض فيه أن تضطلع الجهات المختصة بمسؤولياتها في متابعة حركة السلع، بدءاً من المستوردين والموردين، مروراً بتجار الجملة، وصولاً إلى بائعي التجزئة.
كما أن حماية المستهلك لا ينبغي أن تظل محصورة في البيانات والتوجيهات الإعلامية أو حملات التفتيش الموسمية، بل يجب أن تتحول إلى عمل رقابي ميداني مستمر، تترجمه إجراءات فعلية ونتائج ملموسة يشعر بها المواطن داخل الأسواق.
المواطن الحلقة الأضعف
في المقابل، تتسع الفجوة بين دخول المواطنين وتكاليف المعيشة، وأصبح كثير من أرباب الأسر مضطرين إلى تقليص مشترياتهم والاستغناء عن بعض الاحتياجات الأساسية، بعدما باتت الرواتب الشهرية عاجزة عن تغطية متطلبات الحياة اليومية.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن تكلفة توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية أصبحت تتجاوز قدرة شريحة واسعة من الموظفين وأصحاب الدخول المحدودة، في انعكاس واضح لحجم الاختلال بين مستويات الأسعار والدخول.
ولا تتوقف آثار الغلاء عند حدود المائدة المنزلية، بل تمتد إلى النشاط التجاري والاقتصادي، مع تراجع القدرة الشرائية وضعف إقبال المستهلكين، الأمر الذي ينعكس سلباً على حركة الأسواق ومبيعات التجار والأنشطة التجارية عموماً.
أين الحكومة والسلطة المحلية؟
إن استقرار العملة المحلية يمثل خطوة مهمة في مسار تحسين الأوضاع الاقتصادية، لكنه لا يكفي وحده للحديث عن تحسن المعيشة ما لم ينعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع والخدمات وقدرة المواطنين على تلبية احتياجاتهم الأساسية.
وتتحمل الجهات الحكومية والسلطة المحلية في العاصمة عدن مسؤولية واضحة تجاه ما تشهده الأسواق، خصوصاً فيما يتعلق بمتابعة الأسعار، وتعزيز الرقابة التموينية، وفرض الشفافية في عمليات البيع والتوزيع، واتخاذ الإجراءات اللازمة بحق المخالفين.
كما أن المواطنين بحاجة إلى إجابات واضحة بشأن الإجراءات التي اتخذتها الجهات المختصة لمواجهة موجة الغلاء، وحجم المخالفات التي جرى ضبطها، ومدى وجود محاسبة فعلية للمتلاعبين بالأسعار.
فالمطلوب ليس مجرد الإعلان عن حملات رقابية، وإنما الكشف عن نتائجها ومدى تأثيرها على أسعار السلع، بما يعزز ثقة المواطنين بجدية الجهات المعنية في أداء مسؤولياتها.



